الاسرة

جيل الكورونا..

أعتقد أن تلك هي المرة الأولى التي يختبر فيها جيلنا هدنة من الزمن، وقت مستقطع من سباق الحياة الذي إعتدناه.

فجيلي هو الجيل الذي بدأ أباؤه الاهتمام بالرياضة كنشاط رسمي وروتين في حياة أولادهم .. فالأجيال السابقة لنا لم تكن الرياضة بالنسبة لأغلبيتهم نشاط يومي أساسي .. بل كانت وقتها لا تزال نشاط يندرج تحت إطار الهواية فقط أو على أكثر تقدير مجرد نشاط بدني للحفاظ على الصحة العامة لم يكن يشغلهم البطولات الدولية ولا التصنيفات العالمية.

شهدت مراهقتنا دخول الانترنت، هذا الاختراع الذي نقل الأجيال عبر الأزمان، حيث أضطرت عقولنا أن تكبر قبل آوانها لتلاحق وتجاري هذا الكم الهائل من المعلومات والمتغيرات.

أصبح جزء كبير من حيواتنا على مرأى ومسمع من الجميع .. أصبحت نفسياتنا مساحة متاحة بلا حدود تحميها .. يستطيع تلوين أيامنا خبر على السوشيال ميديا عن إحدى البلاد التي تعاني من المجاعات أو خبر انفجار طائرة كانت تنقل رب أسرة روسي فقد حياته إثر الحادث، كان من الممكن أن تكتمل حياتنا بلا شئ ينقصها على الإطلاق إذا لم نعلم شيئا عن هذا الخبر..ولكنها لعنة التكنولوجيا .. تعطيك ما تريد بضغطة زر ولكنها تأخذ كثيرا من سلامك النفسي وراحة بالك في المقابل.

 

شهدت أجيالنا تغيرات كثيرة في نظم التعليم .. كان “بعبع” الثانوية العامة بمثابة خط نهاية السباق حتى أن كثيرا منا لم يفكر فيما يريد أن يفعل بعدها .. كانت تمثل سقف الأحلام لنسبة كبيرة من جيلنا.

كنا نعتقد أن دخولنا إحدى كليات القمة هو المنتهى وأن النجاح سيصبح حينها نتيجة حتمية غير قابلة للاحتمالات حتى أن كثيرا منا قد شحذ كل طاقته للوصول إلى ذلك الهدف ولم يتبق منها شيئا لما بعد ذلك من تحديات.

شهدنا طفرة التعليم الدولي والأقسام الخاصة في الكليات .. أصبحت الاختيارات كثيرة فجأة وتشعبت الطرق ونحن أمام الاختيارات حيارى نحاول الاستيعاب والمواكبة.

ولكن الواقع كان له رأي آخر، رأي قوي فرض سطوته علينا.

حيث اضطرتنا ظروف الحياة لخوض سوق العمل الذي قدم لنا الكثير من الخبرات التي لم نكتسبها من قبل لأن عالمنا في أقصى انفتاحه كان عالم منغلق متحفظ كثيرا نسبة إلى الأجيال التي عقبتنا.

ولكن كان الوقت هو المقابل لتلك الخبرات والمناصب ومستوى المعيشة المرتفع نسبة إلى الأجيال التي سبقتنا.

أصبحنا في سباق مستمر مع الوقت .. نحاول اللحاق بقطار الزمن .. نحاول أن نجمع بين العمل والأسرة والأهل والأولاد والتمارين .. وتبقى في الخلفية أحلامنا..شغفنا الذي أضطر أن يتوارى لأن لا وقت ولا طاقة له.

ولكن جعبة الحياة لا تخلو من المفاجآت، ها قد حدث ما قلب موازين العالم رأسا على عقب..فيروس ضعيف كما يصفونه .. أربك العالم أجمع.

توقفت الأشغال والمدارس والجامعات والتمارين .. وأصبح جلوسنا بالبيت إجباريا بل وواجب قومي أيضا

يذكرني هذا الموقف بهؤلاء الأشخاص الذين يهلكون أجسادهم يوميا .. يطلب منهم الطبيب أن يستريحوا ليومين فيرفضوا وكأن العالم سيتوقف إن هم استراحوا .. تعطيهم أجسادهم إنذارا من آن إلى آخر ولكنهم يصروا على التجاهل حتي يسقطوا فجأة ولا تصبح الراحة خيارا.

هذا هو منظوري لأزمة الكورونا .. كان لابد من حدث جلل يعيد ترتيب أولوياتنا ويضعنا أمام أنفسنا نتسائل “من نحن ؟ ماذا نفعل إن لم نكن نعمل ؟ ماذا كنت أحب؟ ما هي النشاطات التي كنت أنوي ممارستها حين يتيح لي الوقت فرصة ؟ وها قد أتت الفرصة لتبطل حجة الوقت وتتركك أمام نفسك تبحث عن أسباب تأجيلك الحقيقية.

نعم، نحن نفتقر الوقت ولكن أعتقد أن مشكلتنا أعمق بكثير.

أعتقد أننا تهنا بين الصورة التي يفرضها العالم علينا، هذا القالب الذي يحاول أن يجعل مننا نسخا وبين صورتنا الحقيقية.

تهنا في دوامة الحياة..تهنا في السعي المستمر والجري الغير متوقف وراء أحلام ربما لا تخصنا ولا تمثلنا حقا.

تهنا في حكايات الناس من حولنا واختلطت مشاعرنا بمشاعرهم واختلطت صورتنا الحقيقة بانعكاس صورنا في أعينهم .. أصبحنا نقطة في بحر من الملهيات حتى أنه أصبح من الصعب جدا أن تختلي بنفسك لوقت من الزمن لتستعيد كيانك الحقيقي.

كثير منا أصبح عنده خلط بين “من يكون” و “ما يفعل” فارتبطت قيمتنا بما نقوم به من عمل أو إنجازات مادية ملموسة قد تتلاشى بتغير الظروف.

وها قد أتت الفرصة لتهدأ وتتذكر أنك لست في سباق، هدنة لتلتقط أنفاسك.

يتحدث الناس عن الإنجازات التي نستطيع تحقيقها في وقت فراغنا الآن والدراسات والكورسات المتاحة لنا عبر الانترنت ولكنني أعتقد أن أعظم إنجاز قد نقوم به في هذه الفترة هو استعادة أرواحنا .. هو أن نجد قيمتنا الداخلية الحقيقية الغير مرتبطة بأي ماديات .. أن نتعلم فن الاسترخاء ونقبله كحق من حقوقنا المشروعة وأن نتوقف عن الشعور بالذنب على كل دقيقة تمر دون أن نسجل إنجازا في السجل العالمي .. أن نتعلم تقدير مشاعرنا واحترامها وأن المشاعر ليست رفاهية لميسوري الحال فقط بل هي سر الحياة .. هي بصمة الله في أرواحنا .. ان نتوقف عن إطلاق الأحكام فكما نرى الآن مصيرنا جميعا مرتبط ببعضنا البعض على اختلاف أشكالنا وأنسابنا ودياناتنا .. أن نقبل أنفسنا كما هي ولا نحاول تطويعها لتنتمي وتليق وتعجب .. يجب أن نتعلم احترام أجسامنا والاستماع لها .. يجب أن نعرف متى يجب أن يقف الزمن ولو لثواني احتراما لفقد شخص ما وأن الحياة في حد ذاتها هدية غالية تستحق الامتنان.

يوهمنا العالم أن الإنجازات الكبيرة هي التي تستحق الشكر والامتنان ولكن أعتقد أن تلك الأزمة صححت بغض المفاهيم، فجميعنا الآن ممتنون لكل يوم يمر علينا لم نقع فيه فريسة للمرض . جميعنا ممتنون لبيوتنا التي نحتمي داخلها .. جميعنا ممتنون لأسرنا التي ليس لنا سواها.

وتذكر أن الامتنان ممارسة .. فكر كل يوم قبل أن تنام في ثلاث أشياء بسيطة تشعر حقا بالامتنان نحوها في يومك ولا تبحث عن انتصارات كبيرة لأن الحقيقة تكمن في التفاصيل الصغيرة مثل حمام دافئ أو وجبة ساخنة أو كلمة حب صادقة.

 

ولكل ما سبق فأنا ممتنة لتلك الفرصة التي منحنا الله إياها..أتمنى من كل قلبي أن نخرج جم