الاسرةالجسم والعقل

هل تراني ساحراً؟

قد تمثل زيارة الطبيب النفسي للكثيرين تجربة فريدة ومثيرة، فلكل منا حياته الخاصة التي قد تكون مليئة بمساحات دقيقة وحميمة وأخرى يكتنفها الغموض لا يكاد أحد يعلم عن أمرها شيئاً. ولطالما كانت الدوافع النفسية وغيرها من النزعات والغرائز الدفينة  تمثل قلعة منيعة لايجرؤ على الاقتراب منها حتى أكثر الناس جرأة. ولكن رغم ما قد تمثله مقابلة الطبيب النفسي من تجربة ثرية للكثيرين كما سبق، فقد يتجنبها البعض ظنًا منهم أن ذلك الطبيب هو واحد من هؤلاء ممن يمتلكون قدرات استثنائية كقراءة الأفكار أو كشف المستقبل أوغيرها. وبطبيعة الحال فمنهم من قد يستسلم لتلك الفكرة بعد أن يستدعى من ذاكرته مشاهد لأحد الأفلام الشهيرة التي تناولت الأطباء النفسيين وصورتهم كقارئي الأفكار . وفي ظني أن الأمر بالفعل يمثل تحديًا ليس باليسير، فليس منا من يتقبل بسهولة أن يبدو وكأنه عاريًا تمامًا أمام كائن من كان، حتى ولو بكامل إرادته.

إذا ما كنا نسعى لحقيقة الأمر، فعلينا أن نعلم أن الطبيب النفسي لا يملك بللورة سحرية أو نظارات خارقة يمكنه بها أن يخترق أعماق عالمك الخاص، على الأقل في لحظات وجيزة كما يتوهم البعض. الطبيب النفسي مثله كمثل غيره من الأطباء، أو عسانا نقول كغيره من أصحاب المهن الأخرى لا يقوى على أن يمارس مهام عمله على مدار الساعة. فلك أن تتخيل كيف سيكون عليه الأمر إذا كنت تعمل كميكانيكي للسيارات على سبيل المثال، حتما ستصاب بالجنون إذا ما قررت أن تراقب كل السيارات التي تجوب الشوارع ليل نهار لترى أيها يمتلك محركًا جيدًا وأيها يفتقر إليه.! أو لتقرر أي تلك السيارات يعتمد على نظام تعليق معين  أو غير ذلك من الأمور..! بالفعل قد تلفت نظرك سيارة مميزة، إما بسرعة فائقة أو بقدرة فريدة على المناورة، أو أخرى تبدو متهالكة وتحتاج حتما للصيانة السريعة. الحال يبدو متطابقًا لما هو عليه في عيادات الأطباء النفسيين، فواجب الطبيب أن يصغ ملء أذنيه لشكوى مريضه وأن يملك الحذاقة والحنكة التين تمكناه من التقاط العلامات المرضية والتي قد تكون في إشارة لفظية أو حركة لا إرادية أو حتى في بعض الأحيان فيما يرتديه المريض من ملابس. ولكن بالفعل ينتهى الأمر مع دقات نهاية العمل ويعود الطبيب كواحد من عموم الناس يقابل أحباءه ويلتقي بمختلف الناس في الطرقات ويتعامل مع كل منهم كغيره من الناس. بيد أن هناك وبطبيعة الحال أنماطًا من البشر قد تستنفر اهتمامه  وتستحوذ على حواسه، فيعود ذلك الطبيب بداخله مستدعيًا مهاراته وقدراته ليبدأ في مراقبة وتحليل ما وقعت عليه عيناه.

ولحسن الحظ، ولأن رأي المتخصص من الأهمية بمكان، فيجب على الجميع أن يدركوا أن الطبيب النفسي على كامل اليقين أن دقة وصواب رأيه هو ما يعول عليه وليس بالطبع سرعته في الحكم على الأشخاص في المواقف الحياتية العادية، فما أصعب أن يقوم الطبيب بإلصاق تشخيص قد يفتقر للدقة لأحدهم قبل أن يقوم بكل ما عليه القيام به. ولا يخفى على الكثيرين أن الأمر يكاد يصل للصدمة حينما يرى الطبيب واحدُا من زملاء المهنة على أحد الشاشات أو صفحات الجرائد يصدر أحكامًا على سياسي مشهور أو فنان معروف من مجرد حديث عابر أو ما أشبه، حيث أن كل أبناء المهنة بالضرورة على ثقة كاملة أنه حتمًا يعلم أن ذلك يعد  انتهاكًا لأصول المهنة، وأنه يجب أن يدخر جهده لعيادته للوصول لتقييم مثالي ومدروس يعتد به.

ننوي  في سلسلة المقالات التالية والتي اخترنا لها عنوان (أناس نقابلهم) أن نسلط الضوء على جوانب ومساحات من النفس البشرية  لنزيل الأقنعة عن وجوه نقابلها في طريقنا يوما بعد يوم، ليس بغرض أن نصدر أحكامًا مسبقة أو لنعتقد في أصحابها ما نراه حقًا لا يقبل الجدال، ولكن لكي نحصل على قدرًا يسيرًا من المعرفة ونكتسب أبسط المهارات للتعرف على مايجعل من البشر بشرًا، كيف يفكرون وكيف يشعرون وكيف يتصرفون كيفما يتصرفون، آملين في أن نجد جوابًا على السؤال الأهم وهو: لم عساهم يفكرون ويشعرون ويتصرفون بتلك الطريقة دون سواها؟

أعتقد أن الأمر لو آل لهذا المآل فقد يرى كل منا في نفسه قدرات ومهارات لم يعرف يوما أنه يملكها ، ويظل الأمر الأهم دائمًا أنه لن يجول ببال أحدنا بعد اليوم أن نظن أن هذا الطبيب النفسي الذي يقطن في المبنى المقابل هو ساحرًا أو عرافًا.

استعد عزيزي القاريء وقم بإعداد قائمة بالأسئلة التي تجول بخاطرك عن هؤلاء ممن تلتقيهم في يومك وشاركنا في رحلة مثيرة ومفيدة قد تجعلك ترتب أفكارك وقناعاتك بشكل لم تألفه قبلًا.